مجد الدين ابن الأثير

381

المختار من مناقب الأخيار

من وفد العباد إليه ، ذهبت أيّامي ، وضعفت قوّتي ، وقد وردت إلى بيتك المعظّم المكرّم بذنوب كثيرة لا تسعها الأرض ، ولا تغسلها البحار ، مستجيرا بعفوك منها ، وحططت رحلي بفنائك ، وأنفقت مالي في رضاك ، فما الذي يكون من جزائك يا مولاي ؟ ثم أقبل على الناس بوجهه ، فقال : معاشر الناس ، ادعوا لمن وكزته الخطايا ، وغمرته البلايا ، ارحموا أسير ضرّ ، وغريب فاقة ، سألتكم بالذي قد عمّتكم الرّغبة إليه إلّا سألتم اللّه تعالى أن يهب لي جرمي ، ويغفر لي ذنوبي . ثم عاود ، فتعلّق بأستار الكعبة ، وقال : إلهي وسيّدي ومولاي ، عظيم الذّنوب مكروب ، وعن صالح الأعمال مردود ، فقد أصبحت ذا فاقة إلى رحمتك يا مولاي . قال محمد بن صالح : ثم رأيته بعرفات وقد وضع يساره على أمّ رأسه يصرخ ويبكي ويشهق ، ويقول : إلهي وسيّدي ومولاي ، أضحكت الأرض بالزّهرة ، وأمطرت السماء بالرحمة ، والذي أعطيت الموحّدين ، إنّ نفسي لواثقة لي ولهم منك بالرّضا ، وكيف لا يكون كذلك ؟ وأنت حبيب من تحبّب إليك ، وقرّة عين من لاذ بك وانقطع إليك ، يا مولاي حقّا حقّا أقول ، لقد أمرت بمكارم الأخلاق ، فاجعل وفودي إليك عتق رقبتي من النار « 1 » . * * * وقال إبراهيم الخوّاص : رأيت شابّا في الطّواف ، متّزرا بعباءة ، متّشحا بأخرى ، كثير الطّواف والصلاة ، فوقع في قلبي محبّته ، ففتح عليّ بأربع مائة درهم ، فجئت بها إليه ، وهو جالس خلف المقام ، فوضعتها على طرف عباءته ، وقلت له : يا أخي ، اصرف هذه الفضّة « 2 » في بعض حوائجك . فقام

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 412 . ( 2 ) في ( أ ) : « القطعة » .